منوعات

شاب

سأتغير لاحقًا.
وفي كل صلاة أجّلها.
وفي كل نصيحة رفضها.
وفي الزوجة التي ظلت تأمل أن يأتي يوم تراه فيه مختلفًا.
ثم تذكر نفسه.
فمن السهل جدًا أن يرى الإنسان أخطاء غيره بعد رحيله.
لكن الأصعب أن يسأل
وماذا عني أنا؟
هل يضمن أحد أن يستيقظ غدًا؟
هل يضمن أحد أن يحصل على فرصة إضافية ليعتذر؟
ليصلح ما أفسده؟
ليعود إلى ربه؟
ليترك كلمة سيئة اعتادها؟
ليسامح من ظلمه؟
في اليوم التالي، جلس بجانب والدته.
كانت تمسك صورة أخيه.
قالت
كان جميلًا جدًا.
نظر إلى الصورة.
كان شقيقه يبتسم فيها.
قال
نعم.
سألته أمه
ماذا حدث لك منذ المقپرة؟ أشعر أنك تغيرت.
تردد.
لم يشأ أن يخبرها بما رأى.
كانت مکسورة بما يكفي.
قال
لا شيء يا أمي. فقط أفكر فيه.
قالت

ادعُ له.
أجاب
هذا ما يجب أن نفعله.
وبالفعل، قرر ألا يحوّل قصة أخيه إلى حديث يتناقله الناس للتسلية أو الخۏف.
كان
كلما سأله شخص عن سبب شروده يقول
ادعوا له بالرحمة والمغفرة، فهذا أنفع له.
أما زوجته، فقد بقيت أيامًا قليلة مع عائلته ثم عادت إلى بيت أهلها.
وقبل أن تغادر، تحدث إليها الأخ مرة أخيرة.
قال
هناك شيء أريد أن أقوله لك.
ماذا؟
قال
سامحيني لأنني ظننت أن هدوءك في الچنازة يعني أنك لا تحزنين عليه.
خفضت رأسها.
أنا حزينة.
ثم قالت
لكن حزني ليس فقط لأنه

.
إذن؟
حزينة لأنني كنت أرى الطريق الذي يسير فيه، ولم أستطع أن أغيره.
أجابها
الهداية ليست بأيدينا.
ثم أضاف
الإنسان ينصح من يحب، لكنه لا يملك قلبه.
أومأت.
قالت
أدعو الله أن يغفر له.
وأنا أيضًا.
بعد رحيلها، بقيت الحكاية في قلب الأخ سنوات.
لم يكن يحب أن يروي التفاصيل.
وإذا رواها يومًا، كان يبدأ دائمًا بالتأكيد أن ما رآه في لحظة الډفن تجربة شخصية لا
يستطيع أن يجعلها دليلًا شرعيًا
على مصير إنسان
بعينه.
لكنه كان يقول إن الشيء الذي لا يحتاج إلى تفسير هو أن العمر قد ينتهي دون موعد.
وأن الإنسان قد يخرج من بيته وهو يظن أن أمامه سنوات طويلة، ثم لا يعود.
ومرت الأيام.

وفي كل مرة كان يسمع الأذان، كان يتذكر ذلك اليوم.
لكن بدل أن يتذكر العبارة القاسېة وحدها، كان يدعو لأخيه
اللهم اغفر له وارحمه، واغفر لنا إذا صرنا إلى ما صار إليه.
وأصبح أكثر حرصًا على ألا يقسو في نصيحته للآخرين.
فقد أدرك أن الموعظة ليست في تخويف الناس بقصص لا نستطيع التحقق من تفاصيلها، وإنما في الحقيقة التي يعرفها الجميع
أن الحياة قصيرة.
وأن التوبة لا تحتاج إلى موعد خاص.
وأن الكلمة التي يقولها الإنسان مستهزئًا أو غاضبًا قد يندم عليها طويلًا.
وأن من الخطأ أن يطمئن المرء إلى شبابه أو صحته وكأنهما ضمان لبقاء العمر.
أما ما رآه الأخ في القپر، فقد ظل سرًا بينه وبين نفسه.
لم يستطع أن يفسره تفسيرًا يقينيًا.
هل كان ما رآه نتيجة رهبة اللحظة؟
هل تغيرت الملامح بعد الۏفاة بطريقة جعلته يتوهم ذلك؟
أم كان للأمر تفسير آخر لا يعلمه؟
لم يكن لديه جواب.
ولذلك لم يدّعِ امتلاك جواب.
كان يقول فقط
الله أعلم بما رأيت، والله أعلم بعباده.
لكن شيئًا واحدًا كان متأكدًا منه.
حين دخل القپر في ذلك اليوم، كان يظن أنه ينزل فقط لډفن أخيه.
وحين خرج منه، خرج وهو ينظر إلى حياته هو بطريقة مختلفة تمامًا.
فقد أدرك أن السؤال الأهم ليس
كيف كانت نهاية فلان؟
بل
كيف أعيش أنا ما بقي من عمري؟
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمع الأذان توقف عن كل ما في يده للحظات.
وتذكر شقيقه.
ودعا له.
ثم دعا لنفسه ولأهله بالثبات والهداية وحسن الخاتمة.
فلا أحد منا يعرف متى تكون آخر ليلة له، أو آخر صباح، أو آخر مكالمة، أو آخر فرصة يستطيع فيها أن يصلح شيئًا بينه وبين ربه أو بينه وبين الناس.
ولهذا لم تكن العبرة في غرابة المشهد الذي رآه داخل القپر بقدر ما كانت في الرسالة التي بقيت معه بعده
لا تؤجل إصلاح نفسك إلى غدٍ، لأن الغد وعد لم يمنحه الله لأحد.
رحم الله المسلمين، وغفر لهم، ورزق الأحياء قلوبًا تعرف قيمة الوقت قبل أن يصبح كل شيء ذكرى.
تمت بحمد الله.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى