
الرجل العجوز لم يلتفت ليد جيرمان الممدودة، ولم ينظر حتى للابتسامات المزيفة الملتفة حوله.
سار بخطوات ثقيلة ومتحفظة في وسط الصالة، وعيناه تدوران في المكان كأنه يبحث عن شيء واحد فقط.
وفجأة… توقف.
أشار بعصاه الأبنوسية نحو المكتب الخلفي البسيط، حيث كانت تقعد ماريانا توريس ممسكة ببعض الملفات الورقية.
ابتسم الرجل العجوز ابتسامة دافئة، وقال بصوت قوي يرن في أركان المعرض:
— “مساء الخير يا ابنتي.”
ماريانا رفعت رأسها بدهشة، وقامت واقفة فوراً. تأملت الملامح بضع ثوانٍ… العينان النافذتان، الوقار الشديد، ونفس الابتسامة المحترمة.
صدمت ماريانا وقالت بنبرة ملؤها الاستغراب:
— “العم أوريليو؟!”
جيرمان سالسيدو وقف مصدومة، وشحبت ملامحه كالميت:
— “أوريليو؟! الصياد؟!”
العم أوريليو أخرج من جيبه الداخلي لبدلته الفاخرة تلك النوتة القديمة ذات الغلاف الأسود، وفتحها على الصفحة التي كتب فيها اسمها قبل أسابيع.
وقال بثبات وهو ينظر لجيرمان باحتقار شديد:
-
سمعت صوت من المطبخمنذ 3 ساعات
-
وانا ١٤ سنةمنذ 6 ساعات
-
عادت من غير ما تبلغ حدمنذ 6 ساعات
-
قضت سنوات في خدمة عائلة ثريةمنذ 7 ساعات
— “أنا لم أعد باسمي القديم اليوم يا مدير… أنا هنا بصفتي دون أوريليو نافارو، المالك الرئيسي ومؤسس شركة ‘نافارو للأسماك والشحن البحري’، وصاحب أسطول السفن التجارية في خليج المكسيك.”
ساد الصمت في المعرض كأن على رؤوسهم الطير!
البائعون الذين ضحكوا عليه في المرة الأولى جمدت في عروقهم، وروبرتو تراجع للوراء خطوة من شدة الإحراج.
أكمل دون أوريليو وهو ينظر لماريانا بحنان واحترام:
— “قبل أسابيع، جئت هنا بملابس عملي البحرية الملطخة بالملح وجردل السمك، بعد أن تعطلت سيارتي القديمة بالقرب من الشاطئ… أردت أن أختبر معدن البشر في هذا المكان قبل أن أوقع عقد الشراء الأكبر في تاريخ شركتي. جميعكم رأيتموني مجرد جردل سمك وجزمة مطاطية… باستثناء هذه السيدة العظيمة.”
أشار أوريليو بيده للحارس الخاص، فتقدم وأعطاه ملفاً جلدياً فاخراً.
فتحه أوريليو أمام الجميع وقال بصوت جهوري:
— “أنا هنا اليوم لأشتري أسطولاً كاملاً مكوناً من 35 سيارة دفع رباعي وشاحنات نقل ثقيلة لكافة مراكز التوزيع التابعة لشركتي في الولايات المجاورة… بقيمة تتجاوز 45 مليون بيزو.”
انحسرت أنفاس الجميع! 35 سيارة؟! هذه أضخم صفقة في تاريخ المعرض والشركة بأكملها!
جيرمان سالسيدو حاول تدارك الكارثة، فاقترب بجشعه المعتاد وهو :
— “يا دون أوريليو! أهلاً بك! أنا أعتذر عن أي سوء فهم سابق! بصفتي المدير العام للفرع، سأشرف بنفسي على هذا العقد الضخم وسأمنحك أعلى نسبة خصم ممكنة!”
دون أوريليو رفع يده بصلابة وقاطعه بمنتهى القسوة:
— “صمت! يدك لن تلمس هذا العقد، ولا اسمك سيكتب في أي ورقة من أوراقه!”
التفت أوريليو للرجل الفخم الذي كان يرافقه في السيارة الأولى، والذي اتضح أنه السيد ألبيرتو، المالك والرئيس التنفيذي للشركة القابضة لمعارض السيارات في البلاد!
قال أوريليو لرئيس الشركة:
— “سيد ألبيرتو… شرطي الوحيد لتوقيع هذا العقد المليوني وإتمام الشراكة مع مجموعتكم لأعوام قادمة، هو ألا يحصل هذا المدير المتكبر والمتحيز على بيزو واحد من عمولة هذه الصفقة، وأن تحرَر الصفقة بالكامل باسم الأخصائية ماريانا توريس!”
رئيس الشركة القابضة تقدم فوراً وجمع أوراق جيرمان، ونظر لجيرمان بغضب وازدرار شديدين وقال:
— “جيرمان سالسيدو… الإدارية السيئة، والتمييز ضد العملاء، والتعدي على حقوق الموظفين الشرفاء لا تتسامح معه شركتنا. أنت مفصول من منصبك من هذه اللحظة، وتُسحب منك كافة صلاحيات الإدارة!”
جيرمان وشه اصفر كأنه ضرب بصاعقة، وسقطت الملفات من يده، ولم يستطع أن ينطق بكلمة واحدة وهو يرى أوهام غروره وعمولاته تنهار أمام عينيه في ثوانٍ!
التفت ألبيرتو المالك نحو ماريانا توريس، ومد يده لها بكل احترام وتقدير:
— “السيدة ماريانا… أرقامك، وكفاءتك الفنية، وأخلاقك العالية مع جميع العملاء أثبتت أنكِ النموذج الفعلي للنجاح. أعلن رسمياً تعيينكِ مديرة عامة جديدة لفرع معارضنا في فيراكروز مع منحكِ كافة الصلاحيات والعمولة الكاملة لصفقة دون أوريليو!
انطلقت تصفيقات حارة في الصالة من البائع إستيبان وباقي الموظفين الذين فرحوا لعدالة الموقف ورجوع الحق لصاحبته!
ماريانا لم تتمالك دموعها… دموع الفرح والارتياح بعد سنوات من الشقاء والتعب. تذكرت طفلها نيكولاس، وتذكرت حلمها الذي طالما درسته في الليالي المظلمة.
قربت من دون أوريليو، ومسكت يده بامتنان ومحبة:
— “شعبك ودعمك يا دون أوريليو… أنا مش عارفة أشكرك إزاي.”
دون أوريليو ابتسم بوقار، ومسح على يدها بحنان الأب:
— “لا تشكريني يا ابنتي… أنتِ التي علمتِ الجميع أن احترام الإنسان لنفسه وللآخرين هو أول درجات النجاح الحقيقي. والآن… دعيني أراجع معكِ حسابات التمويل وقدرة السحب للـ35 سيارة كما شرحتِ لي في المرة الأولى!”
النهاية:
تغيرت الحياة في المعرض بالكامل بعد ذلك اليوم.
استلمت ماريانا توريس منصبها الجديد كمديرة عامة بثبات واقتدار، وأعادت هيكلة نظام العمل ليصبح قاطرة من العدل والتقدير لكل موظف وعميل دون النظر لشكله أو ملابسه.
اشترت من عمولتها الأولى بيتاً دافئاً كبيراً لها ولابنها نيكولاس، وسددت كافة القروض، وعاش ابنها في رفاهية وأمان وأمل.
أما جيرمان سالسيدو… فقد خرج من المعرض مكسوراً ومطروداً، بعد أن أثبتت الأيام أن التكبر والتقليل من شأن الآخرين هما أسرع طريق للسقوط والهاوية.
ورأسها وظلت ماريانا مرفوعة للسماء… اتعلم الجميع أن الإنسانية والنية الصافية والضمير الحي هما الثروة الحقيقية التي لا تفنى، وأن الله ينصر








