قصص و روايات

عشت في بيت عيلة

الاسم طلع من زوري كأنه حشرجة موت.

يوسف.. أخو طارق الصغير الشاب اللي مات من ٤ سنين في حريقة المخزن القديم بتاع العيلة قبل ما أنا وطارق نتجوز بكام شهر.

مقالات ذات صلة

يوسف اللي العيلة كلها لبست عليه أسود سنة كاملة يوسف اللي حضرنا جنازته وشوفنا طارق وهو بيشيل نعشه وبيغمى عليه من القهر يوسف اللي سلفتي سمت ابنها الصغير على اسمه تخليدًا لذكراه!

بصيت لحماتي بعنين طايرة من الرعب.. “إنتي مجنونة؟ يوسف مات! إحنا دفناه بإيدينا! مين ده؟ إزاي ده عايش؟”

حماتي قعدت على الأرض وانهارت في العياط صوتها كان مكتوم ومتقطع: “دفنا طوب وخشب يا سلمى… النعش كان مقفول عشان قالولنا الجثة متفحمة ومحدش ينفع يشوفها. بس يوسف ماتفحمش… يوسف عاش بس عاش ميت زي ما انتي شايفه. مشلول أعمى في عين وما بينطقش.”

الدم غلى في عروقي. “ليه؟! ليه الرعب ده كله؟ ليه تمثلوا على العيلة كلها إنه مات وتدفنوا ابنكم بالحيا في أوضة ضلمة ٤ سنين؟ طارق عمل إيه عشان يخبي المصيبة دي؟”

قربت من حماتي ووطيت لمستواها الغل كان عاميني: “طارق هو اللي ولع في المخزن صح؟ طارق كان بيعمل حاجة شمال ويوسف كشفه فطارق خلص منه؟ وانتي يا حجة متسترة على ابنك الكبير اللي حرق أخوه وسرقه؟ الفلوس اللي جوزي بيدهالك دي تمن سكوتك صح؟!”

“اخرسي!”

الكلمة دي ماطلعتش من حماتي طلعت من ورايا.

لفيت بسرعة لقيت طارق واقف على باب الأوضة وشه أصفر زي الليمونة وفي إيده كيس صيدلية كبير وقع منه على الأرض وعلب الأدوية اتنطورت في كل حتة.

صوت تكبيرات العيد كانت طالعة من الجامع اللي جنبنا مديّة للمشهد رهبة مش طبيعية.

طارق قفل باب الشقة وراه بالمفتاح وقرب عليا وعينيه مليانة دموع ورعب في نفس الوقت.

“اطلعي شقتك يا سلمى واعملي نفسك ماشوفتيش حاجة.” قالها وهو بيترعش.

“أطلع شقتي؟” صرخت فيه وبدأت أضريه على صدره “أطلع شقتي أعيش مع واحد حرق أخوه ودفنه بالحيا؟ أنا كنت فاكراك خاين ومتجوز عليا طلعت مجرم؟ عايش حياتك وبتاكل وتشرب ومخلف وأخوك مرمي هنا بياكل بسرنجة؟ إنت إيه يا أخي؟ شيطان؟”

طارق مسك إيديا الاتنين بقوة لدرجة إنها وجعتني وزقني ناحية الحيطة بص في عيني بنظرة عمري ما شفتها منه قبل كدة… نظرة واحد جايب آخره.

“انتي فاكرة إني خبيته عشان خايف على نفسي من البوليس؟” طارق اتكلم بصوت فحيح مرعب والدموع بتنزل من عينيه. “فاكرة إني حرقت المخزن؟ المخزن ده ماولعش بالصدفة يا سلمى… واللي ولع فيه هو يوسف نفسه.”

سكت وبلع ريقه وبص لأمه اللي كانت حاطة إيدها على ودنها وبتهز راسها برفض كأنها بتترجاه مايكملش.

بس طارق كمل وكل كلمة كانت بتدبحني:

“يوسف ماولعش في المخزن عشان ينتحر… يوسف ولع فيه يوم ما عرفنا إنك حامل في ‘عمر’. يوسف كان حاطط قنبلة موقوتة جوه وكان قاصد يموتني أنا وانتي فيها يوم ما روحنا ننضفه. بس أنا طلعت أرد على التليفون وهو اللي اتحبس جوه.”

عيوني وسعت.. “يموتني أنا؟ ليه؟ يوسف كان بيعاملني زي أخته!”

طارق ساب إيدي وراح وقف جنب سرير أخوه وبص لي بنظرة خلت روحي تنسحب مني:

“لأنه ماكنش بيعاملك زي أخته يا سلمى… يوسف عرف السر اللي انتي مخبياه عني وعن العيلة كلها من قبل ما نتجوز. يوسف جابلي الدليل اللي يثبت إن ‘عمر’ اللي انتي فرحانة بيه فوق ده… مستحيل يكون ابني!”

فجأة ومن وسط الضلمة والصمت المرعب ده.. سمعنا صوت حشرجة طالعة من السرير.

بصينا إحنا التلاتة.

يوسف اللي بقاله ٤ سنين مشلول ومابينطقش… كان بيبصلي بعينه السليمة وإيده المشوهة اترفع ببطء وشاورت عليا وصوت مبحوح زي طالعة الروح خرج منه بيقول كلمة واحدة:

“الـ… سـ… حـ… ر…”

الكلمة طلعت من بوق “يوسف” زي الرصاصة ووقعت في الأوضة المكتومة دي كأنها زلزال.

“السحر…”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى