
قربت منها وقلت:
“خلاص يا أمي، إحنا مش هنكمل الكلام ده دلوقتي. إنتِ مش رايحة أي دار النهارده.”
محمود رفع عينه وقال:
“يعني إيه مش رايحة؟ أنا حاجز المكان ودافع فلوس.”
بصيتله بثبات وقلت:
“يعني هنرجع نقعد ونتكلم بعقل. أمي مش شنطة هتنقلها من مكان لمكان حسب راحتك.”
رد بعصبية:
“إنتِ مش هتعرفي تراعِيها، ولا جوزك هيوافق.”
الكلام وجعني لأنه كان عارف نقطة ضعفي.
لكن المرة دي، بدل ما أتهرب من الحقيقة، قلتله:
“أنا هتكلم مع كريم، ولو رفض، هنشوف حل تاني. ممكن نجيب ممرضة تزورها، أو نتفق على رعاية مشتركة، أو نشوف شقة قريبة مني. لكن اللي مش هيحصل إن أمي تتساب في مكان هي مش عايزاه عشان إحنا مش عارفين نتفق.”
أمي مسكت إيدي وقالت:
“أنا مش عايزة أكون سبب خلاف بينك وبين جوزك يا بنتي.”
بصيتلها وقلت:
“إنتِ مش سبب خلاف يا أمي. إنتِ أمي، وده مش ذنب.”
في اللحظة دي، تليفوني رن.
كان كريم.
رديت عليه، فقال:
“إنتِ فين يا أمنية؟ أنا اتصلت بيكي كتير ومردتيش.”
قلتله وأنا بحاول أخفي عياطي:
“أنا عند ماما.”
سألني: “إيه الأخبار؟”
بصيت لمحمود، وبعدين قلت:
“فيه حاجة حصلت، ولازم تيجي تسمع بنفسك.”
بعد حوالي نص ساعة، كريم وصل.
دخل الصالة، لقى أمي قاعدة على كرسيها، ومحمود واقف جنب الشباك، وهبة قاعدة ساكتة، والشنطة البني مفتوحة على الترابيزة، والأوراق القديمة متوزعة قدامنا.
كريم بصلي بقلق وقال:
“خير يا أمنية؟ إيه اللي حصل؟”
حكيتله كل حاجة، من كلام أمي عن البيت، لرسالة أبويا، لاعتراف محمود إنه باع البيت من غير ما يرجعلي.
كريم فضل ساكت طول ما أنا بتكلم.
ولما خلصت، بص لمحمود وقال:
“إنت عارف إن اللي حصل ده مش مجرد خلاف عائلي؟ ده حق وورث وأمانة، ولازم يتراجع فيه كل الورق.”
محمود رد بضيق:
“أنا مش ههرب من حقي، بس مش عايز الموضوع يكبر.”
كريم قاله بهدوء:
“الموضوع كبر من يوم ما أخفيت الحقيقة. دلوقتي الحل إننا نعرف إيه اللي حصل بالظبط، ونتعامل بشكل قانوني، بدل ما كل واحد يتهم التاني.”
أنا كنت مستنية من كريم إنه يقوللي إن أمي هتعيش معانا، لكنه بصلي وقال:
“يا أمنية، أنا لسه شايف إن قرار نقل والدتك لبيتنا محتاج اتفاق بينا، لكن مش معنى كده إننا هنسيبها. نقدر نبدأ بمكان قريب مننا، ونرتب رعايتها، وأنا هساعدك في ده. ومش هقبل إنك تشيلي المسؤولية لوحدك.”
بصيتله بامتنان.
يمكن هو لسه مش موافق إنها تعيش معانا، لكن على الأقل فهم إن المشكلة مش هتتحل بالتخلي عنها.
أمي بصتله وقالت:
“ربنا يكرمك يا ابني، أنا مش عايزة أتعب حد.”
كريم قرب منها وقال:
“إنتِ مش تعب يا أمي، بس إحنا لازم نلاقي حل يريحك ويحافظ على صحتك، من غير ما حد يضغط عليكي.”
لأول مرة من بداية اليوم، أمي ابتسمت بصدق.
لكن محمود كان لسه واقف مكانه، ووشه مليان قلق.
بعد شوية، أمي لمّت الورق وحطته تاني في الشنطة، وبعدين قالت:
“فيه حاجة كمان لازم تعرفوها.”
كلنا بصينا لها.
قالت وهي بتطلع مفتاح صغير من جيبها:
“البيت اللي أبوكم سابه هو مش الحاجة الوحيدة اللي كان محضرها ليكم. فيه حساب في البنك، وأبوك كان سايب فيه مبلغ، وكان طالب مني ما أتصرفش فيه غير لما تكبروا وتحتاجوه.”
محمود قرب بسرعة وقال:
“حساب إيه يا أمي؟”
أمي بصتله بجدية وقالت:
“حساب باسمك وباسم أمنية، وكان المفروض يتصرف فيه لما كل واحد فيكم يوصل لسن معين. لكن لما سألت في البنك من سنين، عرفت إن فيه حركة حصلت على الحساب، وإن لازم نراجعها.”
وش محمود اتغير.
أنا لاحظت ده، لكن مكنتش فاهمة السبب.
سألته: “إنت تعرف حاجة عن الحساب ده؟”
رد بسرعة زيادة عن اللزوم:
“لأ، معرفش أي حاجة.”
أمي فضلت باصة له، وبعدين قالت:
“غريبة، لأن الموظف اللي كلمني وقتها قال إن فيه طلب قديم اتقدم للاستعلام عن الحساب، وكان عليه توقيعك.”
محمود اتوتر وقال:
“يمكن كان مجرد استعلام، مش فاكر.”
كريم تدخل وقال:
“يبقى لازم نراجع البنك ونعرف الحقيقة بدل ما نعتمد على الذاكرة. ومحدش يتهم حد بحاجة قبل ما نشوف المستندات.”
أمي هزت راسها موافقة.
وبعدين بصتلي وقالت:
“يا أمنية، أنا محتفظة بالمفتاح ده من سنين. أبوكي قاللي يوم ما أحتاج أفتح صندوق الأمانات، آخده معايا، وما أسيبوش في إيد حد.”
خدت المفتاح منها، وحسيت إنه أتقل من حجمه بكتير.
مش لأنه مفتاح حديد، لكن لأنه بقى مرتبط بحقيقة عشت عمري كله محرومة منها.
اتفقنا إننا نروح في اليوم اللي بعده للبنك، ومعانا الأوراق المطلوبة، ونراجع كل حاجة بشكل رسمي.
أما موضوع دار المسنين، فمحمود اتصل بالمكان وألغى الترتيب، رغم إنه كان متضايق.
وقبل ما نمشي، أمي طلبت مني أقعد جنبها شوية.
دخلت معاها أوضتها، وقعدت على طرف السرير، وهي فضلت تبصلي بحنان.
قالتلي:
“إنتِ زعلانة مني يا أمنية؟”
استغربت السؤال وقلت:
“أنا؟ أزعل منك ليه يا أمي؟”
قالت:
“عشان سكت كل السنين دي. كنت خايفة أقولك الحقيقة، وأخليكي تخاصمي أخوكي. كنت بقول يمكن يتغير، يمكن يرجع لربنا، يمكن يفتكر وصية أبوكم، ويمكن يصلح غلطه لوحده.”
مسكت إيديها وقلت:
“إنتِ كنتِ بتحاولي تحافظي على بيتنا، يا أمي. بس كان لازم أعرف حقي.”
دموعها نزلت وقالت:
“أنا عارفة، وده أكتر شيء موجعني. أنا ربيتكم عشان تبقوا سند لبعض، مش عشان يوم من الأيام أقف بينكم وأشوفكم بتبصوا لبعض كأنكم غرب.”
حضنتها وقلت:
“إحنا مش غرب يا أمي، بس أنا محتاجة وقت عشان أقدر أستوعب اللي حصل.”
هزت راسها وقالت:
“خدي وقتك يا بنتي. متسامحيش عشان حد ضغط عليكي، ومتكرهيش عشان الوجع كبير. شوفي الحقيقة الأول، وبعدها قرري.”
الكلام ده فضل يرن في ودني طول الليل.
تاني يوم الصبح، رحت أنا وكريم وأمي البنك، ومحمود وصل بعدنا بعشر دقايق.
كان واضح عليه إنه مش نايم كويس، وعينيه فيها إرهاق شديد.
قدمنا الأوراق، وشرحنا للموظف إننا محتاجين نراجع حساب قديم كان باسم والدي، وإن معانا مفتاح صندوق أمانات.
بعد مراجعة البيانات، الموظف طلب مننا نقعد شوية، وبعدها رجع ومعاه مسؤول الحسابات.
المسؤول راجع الأوراق واحدة واحدة، وسأل أمي عن اسم أبويا وتاريخ وفاته، وبعدين قال:
“فيه ملف قديم متعلق بالحساب ده، ولازم نراجعه معاكم، لكن قبل أي إجراء، لازم نثبت صفة كل واحد منكم ونشوف المستندات الأصلية.”
أمي أخرجت الظرف الأصفر، وبدأت تقدم الورق.
المسؤول بص للأوراق، وبعدها بص لمحمود.
وقال جملة خلتني ألف ناحيته بسرعة:
“حضرتك كنت مقدم طلب بخصوص الحساب ده من حوالي سبع سنين، صح؟”
محمود بلع ريقه وقال:
“أيوه، كنت بستفسر عن شوية بيانات.”
المسؤول سأله:
“طيب، هل حضرتك استلمت أي مبالغ من الحساب؟”
محمود رد بسرعة:
“لأ، ما استلمتش أي فلوس.”
المسؤول قال:
“إحنا هنراجع السجلات، ومش هنقدر نحكم من غير مستندات كاملة.”
وبعد مراجعة طويلة، اتضح إن الحساب اتجمد لفترة بسبب نقص مستندات، وإن فيه مبلغ متبقٍ بالفعل، لكن التصرف فيه محتاج مراجعة قانونية وإثبات حقوق الورثة.
أنا بصيت لأمي، ولقيتها بتعيط من غير صوت.
مش عشان الفلوس، لكن لأنها اكتشفت إن جزء من أمانة أبويا لسه موجود، وإننا أخيرًا هنقدر نعرف إيه اللي حصل.
أما محمود، فكان قاعد ساكت، بيبص في الأرض.
لما خرجنا من البنك، وقفت قدامه وقلتله:
“أنا مش عايزة أظلمك، ومش عايزة أخد منك حاجة مش من حقي. لكن حقي لازم يرجع، ولازم أعرف كل حاجة حصلت.”
هز راسه وقال:
“هتسمعي مني كل حاجة يا أمنية، بس اديني فرصة.”




