
“دي وصية أبوك، وده إثبات حقكم في البيت. أبوكم كتب إن البيت يكون من حق ولاده الاتنين، وإن محدش فيهم يقدر يحرم التاني من نصيبه.”
أنا حسيت إن نفسي اتسحب مني.
بصيت لمحمود وقلت: “إنت كنت عارف؟”
محمود سكت.
كررت سؤالي بصوت أعلى: “محمود، إنت كنت عارف إن لينا بيت؟ وإن ليا حق فيه؟”
رفع عينه ليا وقال: “أمنية، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.”
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع وقلتله: “أمال زي إيه؟ أمي لسه قايلالي إن أبويا ساب حق لينا، وإنت واقف ساكت! اتكلم!”
محمود حاول ياخد الورق من أمي، لكنه ضمته لصدرها وقالت:
“إيدك يا محمود. المرة دي مش هتخبي حاجة.”
وقف مكانه، وبدأ يتكلم بسرعة:
“أنا كنت صغير لما أبويا مات، ومكنتش فاهم كل حاجة. بعدين الورق ده اختفى، وأنا افتكرت إن الموضوع خلص.”
أمي بصتله بحزن وقالت:
“الورق مكنش مختفي يا محمود. إنت اللي أخدته مني يوم ما كنت بتساعدني أرتب حاجات أبوك، وقلتلي إنك هتحافظ عليه.”
محمود اتلجلج وقال: “أنا… أنا مش فاكر.”
أمي هزت راسها وقالت: “أنا فاكرة كويس. وفاكرة كمان لما سألتك عنه بعد كام سنة، قلتلي إن البيت اتباع وإن الفلوس راحت في الديون.”
بصيت لأخويا وأنا حاسة إني مش عارفة الشخص اللي واقف قدامي.
قلتله: “إنت قلتلي وقتها إن أبويا مكنش سايب غير الشقة الصغيرة دي، وإنك إنت اللي كنت بتصرف علينا بعد وفاته!”
رد بعصبية: “أنا فعلًا صرفت عليكم! أنا اللي كنت بجيب طلبات البيت، وأنا اللي كنت بساعد أمي!”
أمي رفعت صوتها لأول مرة:
“وأنا عمري ما أنكرت إنك ساعدت، لكن المساعدة مش معناها إنك تاخد حق أختك! أبوك كان سايب فلوس كفاية تسدد الديون، وكان سايب البيت ده، وإنت كنت عارف!”
هبة بصت لمحمود بصدمة وقالت:
“إنت عمرك ما قلتلي إن فيه بيت تاني باسمكم!”
محمود لف ناحيتها وقال: “هبة، مش وقت الكلام ده.”
لكنها مكنتش مستعدة تسكت.
“لأ، ده وقته! أنا كنت فاكرة إنك بتصرف على أمك من جيبك، وإنك شايل مسؤوليتها لوحدك، وكنت كل يوم أسمعك تشتكي إن مصاريفها كتير وإنها واخدة من حق عيالك. دلوقتي بكتشف إن فيه بيت وحق لأختك، وإنت مخبي كل ده؟”
محمود صرخ فيها: “قلتلك مش وقت الكلام!”
أمي اتخضت من صوته، فمسكت إيدي بقوة، وأنا قربت منها وقلتله:
“وطّي صوتك، دي أمك!”
بصلي بغضب وقال: “إنتِ جاية النهارده تعملي مشكلة؟”
قلتله: “أنا جيت أودع أمي، لكن اكتشفت إن أخويا مخبي عني حق أبويا من سنين. إنت اللي عملت المشكلة يا محمود.”
أمي فتحت الظرف تاني وطلعت ورقة صغيرة، كانت مطوية بعناية ومحطوطة جوه كيس بلاستيك.
قالتلي: “دي رسالة أبوكي ليكي يا أمنية. أنا كنت محتفظة بيها من يوم ما مات، وكنت مستنية لما تكبري وتبقي قادرة تفهمي كل حاجة.”
خدت الرسالة بإيد بتترعش.
كان خط أبويا واضح، رغم إن الورقة اصفر لونها من الزمن.
فتحتها وبدأت أقرأ:
“بنتي أمنية، لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا مشيت من الدنيا، وإنتِ كبرتي وبقيتي قادرة تفهمي كلامي. أنا عارف إنك صغيرة، وعارف إن أخوكي محمود أكبر منك، وعشان كده وصيت أمك إنها تحافظ على حقك لحد ما تكبري. أنا مش عايزك تزعلي من أخوكي، ولا عايزكوا تختلفوا على المال، لكن عايزك تعرفي إن حقك مش مِنّة من حد، وإن كرامتك مش مرتبطة بوجودك تحت رحمة أي إنسان، مهما كان قريب منك. خليكي دايمًا سند لأمك، وخلي بالك من أخوكي، لكن متسمحيش لحد يضيع حقك باسم العيلة. أبوكي اللي بيحبك.”
وصلت لآخر سطر، ودموعي نزلت على الورقة.
افتكرت أبويا وهو شايلني وأنا صغيرة، وافتكرت إزاي كنت بستخبى في حضنه لما أخاف من صوت الرعد. افتكرت إنه مات فجأة، وإننا وقتها مكناش فاهمين يعني إيه موت، ولا يعني إيه إن البيت يبقى ناقص صاحبه.
حضنت الرسالة لصدري وعيطت.
أمي مسحت على شعري وقالت:
“أبوك كان بيحبك أوي يا بنتي. وكان دايمًا خايف عليكي، لأنه كان عارف إنك طيبة، وإنك ممكن تسكتي عن حقك عشان متزعليش حد.”
بصيت لمحمود، لقيته واقف ووشه شاحب.
قلتله: “ليه يا محمود؟ ليه تعمل فيا كده؟ أنا عمري ما طلبت منك حاجة، ولا جيت في يوم قولتلك اديني فلوس، ولا حملتك مسؤولية بيتي. كنت فاكرة إنك أخويا، وإن لو الدنيا كلها وقفت ضدي، إنت هتبقى أول واحد يقف جنبي.”
محمود نزل عينه للأرض.
ولأول مرة من سنين، مكنش عنده رد جاهز.
لكن أنا لسه مكنتش أعرف إن الحقيقة اللي اتكشفت دي مجرد أول باب، وإن ورا الورق القديم سر تاني، كان ممكن يغير حياتنا كلنا.
أمي أخدت نفس طويل وقالت:
“يا محمود، أنا مش عايزة منك فلوس، ولا عايزة أحرمك من حاجة. أنا عايزة أعرف ليه عملت كده في أختك، وليه بعد كل السنين دي لسه شايفني عبء عليك.”
محمود رفع راسه وقال بصوت مهزوز:
“أنا مكنتش ناوي أوديكي الدار عشان أخلص منك يا أمي.”
هبة بصتله باستنكار، لكنه كمل:
“أنا فعلًا كنت تعبان. كل يوم مشاكل، ومصاريف، ودكاترة، وأنا حاسس إني مش قادر أعمل حاجة صح. بس ده مش معناه إني مش بحبك.”
أمي سألته بهدوء:
“والبيت اللي أبوك سابه؟”
سكت شوية، وبعدين قال:
“أنا أخدته.”
الجملة نزلت علينا زي الصاعقة.
حتى هبة حطت إيدها على بقها.
محمود كمل بصعوبة:
“بعد ما أبويا مات، كان فيه ديون، وأنا كنت خايف البيت يضيع. اشتغلت مع واحد صاحبي في تجارة، وخسرت فلوس كتير. وبعدين اضطريت أبيع البيت عشان أسدد اللي عليا.”
أمي بصتله في عينه وقالت:
“وحق أختك؟”
رد بصوت واطي:
“أنا كنت ناوي أعوضها.”
قلتله بمرارة:
“بعد كام سنة يا محمود؟ بعد ما أموت؟ ولا بعد ما أمي تموت؟ ولا كنت مستني إيه بالظبط؟”
محمود قال بسرعة:
“والله يا أمنية، أنا كنت كل مرة أقول هعوضك، تحصل حاجة، وتعدي سنة ورا سنة. وبعدين اتجوزت وخلفت، ومصاريف البيت زادت، وبقيت خايف لو قلتلك الحقيقة تخاصميني وتفضحيني.”
هبة ردت عليه بذهول:
“يعني إنت كنت ساكت عشان خايف على نفسك؟”
محمود بص لها وقال: “أنا غلطت، عارف إني غلطت.”
أمي غمضت عينيها، كأن الكلام كله أكبر من قدرتها على التحمل.
قلتله: “طيب، البيت اتباع، والفلوس راحت فين؟”
محمود مسح وشه بإيده وقال:
“جزء منها سددت بيه ديون، وجزء خسرتُه، والباقي دخلت بيه في شغل تاني.”
“والشغل التاني نجح؟”
سكت.
فهمت من سكوته إن الإجابة لا.
أمي قالت بحزن:
“يعني ضيعت حق أختك، وضيعت أمانة أبوك، وبعدها جيت تقوللي إنك مش قادر تصرف عليا؟”
محمود حط إيده على راسه وقال:
“أنا عارف إني ملوش عذر.”
كنت عايزة أصرخ، أعاتبه، أقول كلام يوجعه زي ما وجعني، لكن أمي كانت قاعدة قدامي بتنهار، ومكنتش عايزة أزود وجعها.




