
أحمد بدأ يعيط من الضغط والتوتر، وقال بصوت مخنوق طب وأنا ذنبي إيه يا محمود؟! أنا اللي واقع في النص! الفرح بعد أسبوعين، وحاجز القاعة ودافع الشيكات، عايزني أروح أقول لحمايا عمتك قالت على مرات أخويا معفنة أفركش الجوازة؟! أنتوا عايزين تدمروا مستقبلي عشان كلمتين؟!
محمود رد عليه بجمود محدش هيدمرلك مستقبلك يا أحمد، ومحدش قالك تفركش الجوازة.. بس الغلط غلط، وأهل العروسة دول لو اتسابوا كده، بكرة يدخلوا يشوفوا نفسهم على أمك وعليك إنت شخصياً! اللي ميحترمش الكبير في بيته، ملوش احترام.
في اللحظة دي، سمعت صوت رنة تليفون أحمد، النغمة كانت خاصة، وعرفت إنها العروسة منار. أحمد رد على التليفون وصوته مهزوز ألو.. أيوة يا منار.. وصلتوا؟
سمعت صوت منار من السماعة طالع عالي ومستفز، كان باين إنها حاطة سبيكر أو صوتها حاد بطبيعته أحمد، إيه حكاية مرات أخوك دي؟! ماما وعمتي نازلين من شقتك متضايقين جداً، عمتي بتقول إنها اتعاملت بتكبر وقعدت حابسة نفسها فوق ومتنزلتش حتى تصب الشاي ولا تسلم علينا وهي بتمشي! هو إحنا داخلين عند ناس مش طايقانا ولا إيه؟! وبعدين ماما بتقولي شكلها مش سالكة، دي لو ناوية تعكنن علينا من أولها كده يبقى مفيش داعي للتعامل معاها خالص!
الغضب غلي في عروقي وأنا واقفة على السلم، الستات طلعوا كمان بيتبلوا وبيشقلبوا الحقايق ويطلعوا نفسهم الضحية!
محمود مسمحش لأحمد يكمل المكالمة، مد إيده وخطف التليفون من إيد أخوه بغضب، وحطه على ودنه وزعق في الموبايل بنبرة خلت المكالمة تتقطع للحظة ألو! اسمعيني هنا يا منار، وفتحي ودنك كويس لكل كلمة هقولها، وتخلي أمك وعمتك اللي قاعدين جنبك يسمعوا!
الصوت ورا الموبايل سكت تماماً من المفاجأة، ومحمود كمل بهجوم قوي أنا محمود، أخو أحمد الكبير، وصاحب البيت ده! مراتي نورهان ست البنات، وضفرها برقبة أي حد يقل بأصله في بيتنا!
مراتي اللي وقفت من صباحية ربنا تطبخ لأهلك ست فرخات وتكرمهم بأحسن واجب، مكنش جزاتها إن أمك وعمتك يتريقوا على ريحتها ويقولوا عليها معفنة ويسخروا منها عشان ريحتها بصل وفراخ وهي بتخدمهم! مراتي طلعت شقتها محترمة صانت كرامتها وصانت بيت جوزها عشان متمدش إيدها في وشهم وتقل بيهم قدام الناس!
صوت منار طلع مخضوض ومش مستوعب إيه؟! يا أبيه محمود إنت بتقول إيه.. هما مكنش قصدهم.. ده بهزار…
قاطعها محمود بصوت زلزل الشقة الهزار ده تهزروه في بيوتكم مش في بيتي! عمتك وأمك لو فاكرين إن بنات الناس تخدمهم ويترد الجميل بإهانة وقلة ذوق، تبقوا غلطانين وغلطانين أوي كمان!
وبنت الأصول اللي بجد، لما تشوف سلفتها طالعة عرقانة وتعبانة عشان تكرم أهلها، تدخل المطبخ تشيل عنها وتغسل معاها المواعين، مش تقعد تضحك وتسخر! الجوازة دي يا منار لو هتبدأ بالتعالي واللسان الطويل ده، يبقى تعيدي حساباتك، لأن نورهان دي خط أحمر، واللي هيدوس على طرفها كأنه داس عليا أنا بالظبط، وأحمد أخويا على عيني وعلى راسي، بس البيت ده ليه حرمة، والواجب مبيتمسحش بيه الأرض!
وقفل السكة في وشها من غير ما يستنى منها رد!
الهدوء نزل على الصالة تحت زي الصاعقة.. أحمد قعد على الكنبة حاطط راسه بين إيديه وهو مصدوم ومش عارف ينطق، وحماتي وقفت تتنحنح وهي بتبص لمحمود بخوف من نوبة غضبه دي، لأنها عارفة كويس إن محمود لما بيتعصب مبيشوفش قدامه.
محمود بص لأحمد وقال بلهجة قاطعة مفيهاش تراجع اسمع يا أحمد.. أنا مقولتش تفركش، بس تليفون من حماك يجي يعتذر فيه عن كلام أخته ومراته، ونورهان كرامتها تردلها قدام العيلة كلها، ولو ده محصلش، أنا ورجلي مش هتحط في قاعة فرحك، وهتكون دخلتك من غير أخوك الكبير.. اختار إنت بقى بين كرامة بيتك وبين نسايب شايفينك وشايفين أهلك قليلين!
ولف محمود ضهره وخرج من الشقة، وطلع السلم بخطوات سريعة. أنا رجعت خطوتين لشقتي عشان ميحسش إني كنت واقفة بتصنت، دخل محمود وقفل الباب، وشه كان محتقن وعينيه حمرة من العصبية. أول ما شافني، قرب مني ومسك وشي بين إيديه الاتنين، وقال بصوت دافي بس مليان هيبة حقك جه وهيجي بزيادة يا أم هنا.. محدش يدوسلك على طرف وأنا عايش على وش الأرض.
دموعي نزلت في اللحظة دي غصب عني، بس كانت دموع فخر وراحة.. حسيت إني مش مكسورة، وإن ربنا عوضني براجل ضهره سند، ميرضاش بالظلم حتى لو كان من أقرب الناس ليه.
مسحت دموعي وقولت له أنا مش عايزة أخرب على أحمد يا محمود، يعلم ربنا إني كنت بتمناله الخير، بس الحركة وجعتني أوي.. وجعتني لدرجة حسيت إن مجهودي وتربيتي اتداس عليهم.
عارف يا حبيبتي، ومفيش خراب هيحصل، أحمد بس محتاج يفهم إن الرجولة مش إنك تطاطي عشان تمشي المركب.. المركب اللي تطاطي فيها بتغرق بيك بعدين.
قعدنا في الصالة، والليل بدأ يليل على البيت، وكل حاجة كانت ساكنة بطريقة مش طبيعية، هدوء ما قبل العاصفة.. كنت عارفة إن الموضوع مش هيخلص على قفلة السكة دي، وإن أهل العروسة ناس متكبرين ومش هيبلعوا الكلام ده بسهولة.
وبالفعل، مفيش ساعة زمن، وسمعت صوت دوشة في الشارع تحت، وبعدها بدقائق صوت خبط جامد وعنيف على باب العمارة من تحت، وصوت حما أحمد العالي وهو بيزعق في الشارع افتح يا حاج! افتحوا الباب هنا.. إحنا عايزين نعرف إيه التهزيق اللي حصل لبناتنا ولحرمنا في بيتكم ده!
محمود قام وقف من مكانه، وبصلي ونظرة التحدي في عينيه لمعت كالسيف، وشد حزامه وقال جه اليوم اللي هنتحاسب فيه على الواجب.. خليكي أنتي فوق يا نورهان، ومتفتحيش الباب لحد!
نزلت وراه خطوتين وأنا حاسة إن اللي جاي تقيل، وإن المواجهة بين أهل العروسة ورجالة البيت مش هتعدي على خير، وبداية الجوازة دي اتفتحت على بركان مش هيتقفل بالساهل.
.. يتبع
حكايات مني السيد حصري ٣ الأخير




