قصص و روايات

سر أوضة جدو

طلع صورة لبيت كبير، محاط بحديقة واسعة، وشبابيكه زرقاء، وقدامه شجرة ياسمين ضخمة. فضلت باصة للصورة ثواني، وبعدها شهقت من المفاجأة: “ده بيتنا القديم!” كنت فاكرة إن البيت اتباع من زمان، خصوصًا إننا نقلنا منه وأنا في العشرين من عمري، وبعدها عمرنا ما رجعنا نعيش فيه تاني.

سألت دانيال بسرعة: “هو البيت ده لسه موجود؟” رد: “أيوه. والدتك اشترته بعد ما بدأت تشتغل في مشروع لترميم العقارات القديمة. وكانت عندها خطة كبيرة للمكان ده، لكنها ما قدرتش تكملها قبل وفاتها.” بصيت لأبويا: “إنت كنت عارف إن البيت لسه موجود؟” هز راسه: “أيوه يا سارة، وكنت بحاول أجهزه عشان تقدري تشوفيه بنفسك.”

سألته: “طيب، ليه ما قلتليش من الأول؟” رد بحزن: “كنت عايز أجهز لك كل حاجة قبل ما تعرفي. كنت فاكر إن المفاجأة هتفرحك، لكن ما فكرتش إن إخفاء التفاصيل هيخوفك بالشكل ده.” ما رديتش عليه. كنت لسه زعلانة، ومش قادرة أتجاوز اللي حصل مع بن بسهولة.

دانيال فتح الملف على صفحة معينة وقال: “والدتك ما سابتلكيش البيت بس. فيه أوراق مالية كمان مرتبطة بالمشروع القديم، ولازم نراجعها عشان نعرف إيه الحقوق اللي انتقلت ليكي فعلًا.” سألته: “يعني ماما كانت محوشة فلوس ليا؟” رد بحذر: “فيه مستندات بتشير لكده، لكن لازم نتأكد من الحسابات والالتزامات القانونية قبل ما نحدد قيمة أي أصول أو مبالغ مستحقة.”

بدأت أحس إن كل اللي عرفته عن أمي لحد اللحظة دي كان مجرد جزء صغير من حكاية أكبر. لكن دانيال ما خلصش كلامه. طلع خطابًا قديمًا وقال: “دي الرسالة اللي والدتك طلبت مني أحتفظ بيها. وكانت عايزة توصلك في الوقت اللي ترجعي فيه للبيت بنفسك.”

فتحت الخطاب بإيدين مرتعشتين، وبدأت أقرأ:
“سارة حبيبتي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى جه الوقت اللي تعرفي فيه عن حلم فضلت أفكر فيه سنين طويلة. أنا اشتريت البيت القديم مش عشان يكون مجرد مكان تعيشي فيه، لكن عشان أحوله لمكان يساعد الأمهات اللي بيواجهوا ظروف صعبة، خصوصًا الأمهات اللي بيحاولوا يربوا أولادهم لوحدهم. كنت أتمنى أكون موجودة معاكي وإنتِ بتكبري، وأساعدك في كل خطوة، لكن لو ما قدرتش، أتمنى إنك تعرفي إنك أقوى مما تتوخيلي.”

وقفت عن القراءة، ودموعي بدأت تنزل. الكلام ده كان شبه أمي جدًا. طول عمرها كانت بتؤمن إن مساعدة الناس مش محتاجة ثروة كبيرة، لكنها محتاجة قلب صادق وإرادة.

كملت الرسالة، لكن السطر الأخير خلاني أرفع عيني بسرعة: “قبل ما تستلمي البيت، لازم تقابلي دانيال وتسمعي منه عن الشرط اللي كتبته في أوراق الملكية. لأن الشرط ده هو اللي هيحدد إذا كان حلمي يقدر يكمل بالطريقة اللي تمنيتها، ولا محتاج قرار جديد منك.”

بصيت لدانيال وسألته: “إيه الشرط ده؟” قفل الملف للحظة، وقال: “الشرط متعلق باستخدام جزء من البيت للمشروع الخيري. لكن فيه مستندات ناقصة، ولازم نراجعها قبل ما أقدر أقول لك إيه المطلوب منك بالضبط.” اتوترت: “يعني ممكن البيت ما يكونش ملكي؟” رد بسرعة: “ما نقدرش نستنتج ده من الورق اللي معانا دلوقتي. لازم نراجع سجل الملكية الأصلي وأي التزامات مسجلة على العقار.”

في اللحظة دي، أبويا قام من مكانه وراح ناحية الشباك. كان واضح إنه عارف تفاصيل أكتر مما قاله. ناديت عليه: “بابا، إنت عارف إيه اللي ناقص في الأوراق دي؟” فضل ساكت شوية، وبعدها قال: “فيه اتفاق قديم بين أمك وشخص اسمه ديفيد ميلر. الاتفاق ده كان متعلق بتمويل مشروع البيت، وأنا كنت موجود وقت ما اتعمل.”

سألته: “وديفيد ده مين؟” رد: “كان صديق أمك وشريكها في مشروع ترميم العقارات. وبعد وفاة أمك، حصلت مشكلة في استكمال بعض الإجراءات.” دانيال بص لأبويا بجدية وقال: “روبرت، لازم سارة تعرف كل التفاصيل، بما فيها الأوراق اللي ما اتقدمتش وقتها.” أبويا لف ناحيته وقال: “أنا ما كنتش عايز أخبي عنها حقها. كنت فاكر إني أقدر أحل الموضوع لوحدي.”

قلت له: “لكن إنت ما حلتوش، يا بابا. وإخفاء المشكلة ما بيخليهاش تختفي.” نزل راسه، وما ردش.

أما أنا، فكنت بدأت أفهم إن اللي حصل مش/ مجرد مفاجأة عائلية. فيه مشروع قديم، وأوراق ناقصة، وحقوق لازم تتراجع، وحلم أمي اللي ممكن يكون مستني قرار مني. لكن قبل ما دانيال يمشي، رن موبايله. رد، وفضل يسمع من غير ما يتكلم، وبعدها اتغيرت ملامحه.

قال للطرف التاني: “إنت متأكد إن المستند الأصلي ظهر؟ طيب، ما تمضيش على أي حاجة قبل ما أراجعها.” قفل المكالمة، وبصلي بجدية. سألته بقلق: “فيه إيه؟”

فتح الملف مرة تانية وقال: “وصلني خبر إن فيه مستند قديم متعلق بملكية البيت ظهر بعد وفاة المحامي اللي كان متابع الملف زمان. والمستند ده ممكن يوضح سبب تعطيل المشروع كل السنين دي.” قلبي دق بسرعة: “ومين اللي معاه المستند؟” رد: “لسه بنتأكد من التفاصيل. لكن فيه اسم لازم نوصله في أسرع وقت… إيلين كارتر، صديقة والدتك القديمة.”

بصيت له باستغراب: “إيلين؟ أنا عمري ما سمعت الاسم ده قبل كده.” قال: “هي كانت بتساعد والدتك في التخطيط للمشروع، وممكن تكون عارفة إيه اللي حصل بعد وفاتها.” في اللحظة دي، فهمت إن الرحلة لبيت أمي مش هتكون مجرد زيارة لمكان قديم. كانت بداية لاكتشاف حقيقة فضلت مستخبية لأكتر من عشرين سنة.

لكن السؤال اللي ما كانش بيفارق دماغي هو ليه أبويا كان مستعد يخاطر بثقتي فيه، بدل ما يحكيلي الحقيقة من البداية؟ والأهم من ده كله… إيه اللي موجود في البيت القديم، واللي ممكن يغيّر كل حاجة؟

الجزء التالت: الباب المقفول والورقة اللي اختفت من عشرين سنة

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى