ديني

قال تعالى : خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب .. ما هما الصلب والترائب؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب) [الطارق: 5-7]. تهدف هذه الآيات الكريمة إلى تذكير الإنسان بأصل نشأته الأولى وخلقه من ماء مهين وضعيف، وذلك لغرس اليقين في قلبه بأن القادر على خلقه ابتداءً من تلك النطفة الضعيفة، قادر بكل سهولة ويسر على إعادته وبعثه للحساب والجزاء يوم القيامة.

 

وفي هذا السياق، يوضح الإمام الزمخشري في تفسير “الكشاف” وجه ارتباط هذه الآيات بما قبلها، مبيناً أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر أن على كل نفس حافظاً يراقب أعمالها، أتبع ذلك بتوجيه نظر الإنسان وتفكيره في بداية أمره ونشأته الأولى؛ ليعلم يقيناً أن من أبدعه أول مرة قادر على إعادته وجزائه، فيعمل العاقل لحساب ذلك اليوم، ولا يُملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته ومصيره.

اختلاف المفسرين حول موضع “الترائب”
إذا كان “الصلب” متفقاً بين أهل التفسير على أنه ظهر الرجل، فإن “الترائب” قد شكلت مساحة اجتهاد وتنوع في الآراء بين المفسرين واللغويين لتحديد موضعها بدقة. وقد لخص الإمام الطبري هذه الأقوال في تفسيره، ومنها:

موضع القلادة: وهو القول بأن الترائب هي موضع القلادة من صدر المرأة، وهذا القول مروي عن عبد الله بن عباس وعكرمة وغيرهما، وهو الذي رجحه الإمام الطبري نفسه استشهاداً بأشعار العرب، كقول المثقب العبدي: “ومن ذهب يسن على تريب… كلون العاج ليس بذي غضون”.

ما بين المنكبين والصدر: وهو مروي عن مجاهد وسائر أهل السلف.

صلب الرجل ونحره: وهو مروي عن قتادة.

أقوال أخرى: مثل من قال إنها اليدان والرجلان، أو الأضلاع التي أسفل الصلب، أو عصارة القلب.

وقد اختار هذا التوجيه (بأن الصلب هو صلب الرجل، والترائب هي ترائب المرأة أي موضع القلادة) جمع غفير من المحققين وأئمة التفسير، منهم:

الإمام القرطبي في تفسيره.

الحافظ ابن كثير في تفسيره.

العلامة محمد الأمين الشنقيطي في “أضواء البيان”، حيث أكد أن الماء الدافق مكون من ماء الرجل الخارج من الصلب وماء المرأة الخارج من الترائب، مستشهداً بقول امرئ القيس: “مهفهفة بيضاء غير مفاضة… ترائبها مصقولة كالسجنجل”.

اجتهاد الإمام ابن القيم في تحديد المعنى
من جهة أخرى، ذهب الإمام ابن القيم رحمه الله إلى رأي دقيق ومفصل؛ إذ يرى أن المراد بالصلب والترائب معاً هو صلب الرجل وترائبه. واستدل على ذلك بأن الآية الكريمة استخدمت حرف الظرفية “من بين”، ولم تقل “من الصلب والترائب”، مما يدل على أن ماء الرجل يخرج من بين هذين المختلفين في جسم الرجل، نظير قوله تعالى في اللبن: (يخرج من بين فرث ودم) [النحل: 66]. وأكد أن النطفة في لغة العرب هي الماء الصافي، وهي في اصطلاح القرآن والسنة ماء الرجل.

التوافق مع الحقائق العلمية الحديثة
بعيداً عن الخلاف الفقهي واللغوي في تحديد الأعضاء بدقة، يكشف التدبر العلمي الحديث عن توافق مدهش بين الإشارة القرآنية والحقائق البيولوجية المتعلقة بتكوين الجنين:

النشأة الجنينية للأعضاء التناسلية: تنشأ الغدد التناسلية (الخصيتان لدى الذكر والمبيضان لدى الأنثى) في مرحلة التخليق الجنيني المبكر من منطقة قريبة جداً من العمود الفقري (الصلب) والكلى، وتحديداً بين الصلب والحجاب الحاجز (المقابل لمنطقة الترائب أو الصدر تقريباً)، ثم تنزل تدريجياً إلى مستقرها النهائي.

الإمداد العصبي والوعائي: تتلقى الأعضاء التناسلية إمداداتها الرئيسية من الدم والأعصاب مباشرة من الأبهر البطني والشبكة العصبية الموجودة في المنطقة الواقعة بين الصلب والترائب (منطقة الظهر والصدر العلوية والبطن العليا)، مما يجعل الوصف القرآني دقيقاً للغاية في إبراز مصدر تلك الحياة البيلوجية المعقدة بعبارات موجزة وبليغة.

الخلاصة
إن هذه الآيات الكريمة تمثل نموذجاً فريداً للتكامل بين دلالة اللفظ القرآني، واجتهادات المفسرين عبر العصور، والاكتشافات العلمية المعاصرة، وكلها تهدف إلى تعزيز إيمان الإنسان بقدرة الخالق عز وجل، وتدبره لآياته المبثوثة في نفسه وخلقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى