ديني

لماذا غابت أم سيدنا يوسف عن قصته؟ ولماذا لم يأتي ذكر أمه في سياق ولا مرة إلا في قوله تعالى ” ورفع أبويه على العرش”؟

لماذا غابت أم سيدنا يوسف عن قصته؟
ولماذا لم يأتي ذكر أمه في سياق ولا مرة إلا في قوله تعالى ” ورفع أبويه على العرش”؟

من أكثر الأسئلة التي تثير التأمل في قصة نبي الله يوسف عليه السلام: أين كانت أمه؟ ولماذا لم يُذكر اسمها أو دورها في أحداث القصة الطويلة التي وردت في القرآن الكريم، رغم أن القصة تناولت تفاصيل كثيرة من حياة يوسف منذ طفولته حتى أصبح عزيز مصر؟

الحقيقة أن القرآن الكريم لم يذكر أم يوسف عليه السلام صراحةً في أي موضع من القصة، ولم يأتِ ذكرها إلا بصورة غير مباشرة في قوله تعالى:

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 100].

وهنا بدأ العلماء والمفسرون في البحث عن الحكمة وراء هذا الغياب.

هل كانت أم يوسف على قيد الحياة؟

ذهب جمهور كبير من المفسرين إلى أن أم يوسف الحقيقية كانت قد توفيت وهو صغير، قبل الأحداث الكبرى التي مرت به. ولذلك لم يكن لها حضور في القصة منذ بدايتها، ولم تُذكر ضمن الشخصيات المؤثرة في مجريات الأحداث.

وبناءً على هذا الرأي، فإن المقصود بلفظ “أبويه” في الآية الكريمة هو الأب والخالة أو زوجة الأب، لأن العرب قد تطلق لفظ “الأب” و”الأم” على من يقوم مقامهما في التربية والرعاية.

وقد استدل العلماء على ذلك بأن القرآن الكريم استعمل أحيانًا ألفاظ القرابة على سبيل التغليب أو التوسع في اللغة العربية.

رأي آخر عند المفسرين

هناك من رأى أن أم يوسف كانت ما تزال حية حتى اجتمع بها في مصر بعد سنوات الفراق، وأن قوله تعالى: ﴿ورفع أبويه على العرش﴾ يدل على وجودها بالفعل مع والده يعقوب عليه السلام.

إلا أن القرآن لم يذكر تفاصيل حياتها أو دورها لأن محور القصة لم يكن متعلقًا بها، بل كان يركز على الابتلاءات التي مر بها يوسف عليه السلام، وصراعه مع إخوته، ثم انتقاله من الجب إلى القصر، ومن السجن إلى الملك.

لماذا لم يذكرها القرآن؟

القرآن الكريم ليس كتابًا للتفاصيل التاريخية المجردة، وإنما هو كتاب هداية وعبرة. لذلك يذكر من الأشخاص والأحداث ما يخدم الرسالة الإيمانية والمغزى التربوي.

فلو تأملنا قصة يوسف عليه السلام نجد أن التركيز كان على:

  • علاقة يوسف بوالده يعقوب عليه السلام.
  • حسد الإخوة ومكرهم.
  • الثبات أمام الفتن.
  • الصبر على البلاء.
  • حسن الظن بالله.
  • العفو عند المقدرة.

أما شخصية الأم فلم يكن لها دور مباشر في هذه المحاور، لذلك لم تُفصل أخبارها.

لفتة مؤثرة

يرى بعض أهل العلم أن غياب الأم عن القصة قد يكون من أشد الابتلاءات التي مر بها يوسف عليه السلام منذ صغره؛ فالطفل الذي يفقد أمه مبكرًا يكون أحوج ما يكون إلى الحنان والرعاية، ثم تأتي بعد ذلك محنة إخوته وإلقاؤه في الجب وبيعه عبدًا وغربته الطويلة.

ومع ذلك ظل يوسف عليه السلام مثالًا للصبر والثبات والرضا بقضاء الله، حتى جمع الله له شمله بأهله وأتم عليه نعمته.

الدرس المستفاد

سواء كانت أم يوسف قد توفيت مبكرًا أو كانت حية ولم يُذكر دورها، فإن العبرة الكبرى من القصة هي أن تدبير الله فوق كل تدبير، وأن الابتلاء مهما طال فإن الفرج يأتي في الوقت الذي يقدره الله سبحانه.

ولهذا ختم يوسف عليه السلام رحلته الطويلة بقوله:

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.

فكانت النهاية درسًا خالدًا بأن الصبر والثقة بالله يحولان المحن إلى منح، والغياب إلى لقاء، والحزن إلى فرح بإذن الله.

زر الذهاب إلى الأعلى