
تعتبر اللحظات التي تسبق اللقاء بين الزوجين بعد عقد القران من أكثر اللحظات تحميلًا بالمشاعر والأحلام الوردية. تخيل فتاة في مقتبل العمر، سافرت وهي ترتدي فستانها الأبيض، حاملةً في حقيبتها الصغيرة آلاف الأحلام والطموحات لبدء حياة جديدة مع زوجها الذي عقد قرانه عليها عن بُعد. كانت على متن الرحلة التابعة للخطوط السعودية، تشعر بمزيج فريد من الخوف الجميل والترقب. وبينما كانت الطائرة تحلق في أجواء السماء، حدث ما لم تكن تتوقعه؛ فقد تحدث قائد الطائرة عبر مكبر الصوت مباركاً لها زواجها الميمون، وقدم لها طاقم الطائرة بعض الهدايا الرمزية الاحتفالية وسط تصفيق وفرحة عارمّة من الركاب الذين شعروا بسعادة هذه العروس الحالمة.
-
وانا ١٤ سنةمنذ 24 دقيقة
-
عادت من غير ما تبلغ حدمنذ 26 دقيقة
-
قضت سنوات في خدمة عائلة ثريةمنذ ساعة واحدة
-
اتجوزت بواب العمارةمنذ ساعة واحدة
مرت الساعات الأولى من الرحلة وكأنها دهر كامل بالنسبة لها؛ فقد كانت توتراتها واضحة، وعيناها زائغتان تترقبان لحظة الهبوط بفارغ الصبر. أخيرًا، حطت الطائرة بسلام، وتوجهت العروس لإنهاء إجراءات الجوازات بسرعة لتكون من أوائل المغادرين، بينما كنت أراقبها باهتمام بالغ. ما إن وصلنا إلى منطقة سير الحقائب واستلام الأمتعة، حتى تقدمت لمساعدتها في حمل حقائبها الثقيلة وتسهيل خروجها من صالة الوصول لتلتقي بزوجها المنتظر الذي طالما حلمت بلقائه.
صدمة المطار وقسوة المفاجأة
عند باب الخروج، تحولت أجواء الفرح والبهجة إلى مشهد درامي مأساوي أبكى كل الحضور بلا استثناء. العريس الذي كان ينتظرها لم تعجبه العروس؛ فبناءً على صورة قديمة أو معدلة رآها مسبقاً، كان قد بنى في خياله صورة غير واقعية تماماً. وما إن رآها على حقيقتها وجهاً لوجه حتى فعل ما لم يتوقعه بشر؛ فقد صرخ بصوت عالٍ أثار فزع الجميع قائلاً بكل قسوة: “والله ما هي، والله ما هي بتاعت الصورة!”، ولم يكتفِ بذلك، بل فَرّ هارباً تاركاً عروسه وسط المطار وأمام مئات الغرباء.
وقفت تلك المسكينة مذهولة لا تدري ماذا تفعل ولا كيف تتصرف، فهي غريبة في هذا البلد وليس لها فيه سند أو معرفة. صحيح أنها كانت تحمل تأشيرة دخول صالحة لمدة تسعين يوماً، ولكن ما فائدة التأشيرة والأوراق لمن مُسحت كرامتها في لحظات؟ لقد رفضها هذا الشخص الذي يُحسب مجازاً على الرجال، وتركها تتعرض لانهيار عصبي تام. وقفت أنا ومجموعة من الإخوة الأفاضل نحاول تدبر أمرها والتفكير في حل سريع، بينما كانت دموعها تنهمر بغزارة شديدة من شدة الصدمة لم تستطع خلالها حتى النطق بكلمة واحدة.
يد العون والرحلة العكسية
اقترح أحد المتواجدين أن يكون الحل الأسرع والأمثل هو عودة العروس الفورية إلى وطنها وأهلها، وافقت العروس وهي في حالة من الاستسلام التام للواقع المرير. وهنا ظهرت شهامة امرأة سورية فاضلة كانت واقفة في المكان، فقالت للعروس بحنان: “لازم تغيري الفستان ده فوراً”، وأخذتها برفقتها إلى دورة المياه، وأخرجت عباءة أنيقة من حقيبتها وألبستها إياها لتستر بها فستان زفافها الذي تحول إلى رمز للألم.
توجهنا جميعاً إلى مكتب شركة الطيران، وتحدثنا مع مدير الفرع وشرحنا له تفاصيل المأساة وظروفها الإنسانية الصعبة. كان المدير رجلاً شهماً وذا مروءة عالية، حيث أبدى تفهماً كبيراً وقال بحسم: “لابد أن تذهب في طائرة مغادرة بعد ساعة، دعونا نرى إن كان هناك مقعد شاغر”. وفعلاً، بفضل تضافر جهود الحاضرين، تم توفير مقعد خاص لها. وعندما سألناها عما إذا كانت تمتلك ما يكفي من المال لثمن التذكرة، أجابت بالنفي القاطع، فقمنا بجمع ثمن التذكرة تبرعاً، بل إن مدير فرع شركة الطيران نفسه دفع ربع قيمة التذكرة مساهمةً منه في إنقاذ الموقف.
العودة للوراء والاتصال بالأهل
عادت هذه المسكينة مرة أخرى بخطوات ثقيلة ومكسورة نحو شباك الجوازات الذي غادرته قبل دقائق فقط بكل أحلامها وأمانيها العريضة، لتمر عبره الآن حاملةً كل أشكال الآلام والانكسارات النفسية. وقبل أن تغادر، طلبت منها رقم هاتف أهلها لتنسيق استقبالها، فظلت تحاول تذكر الرقم بدقة من شدة الصدمة والارتباك الإدراكي. أخذت الهاتف واتصلت بشقيقها، وبدأت أمهد له الخبر الأليم بكل رقة ولين حتى لا يصدمه المفاجأة.
ما إن فهم الشقيق ما حدث حتى سمعت نحيبه وبكاءه الشديد على ما أصاب أخته، وظل يشكرني مراراً وتكراراً. قال إنه سيتحرك فوراً إلى المطار لاستقبالها، فاقترحت عليه بحكمة ألا يأخذها إلى بيت الزوجية الفاشل بل إلى حضن العائلة مباشرة، فوافقني الرأي شاكراً. أعطيت الهاتف للعروس لتتحدث مع أخيها، ولم تكن تقول طوال المكالمة سوى: “حاضر يا أخويا.. حاضر”.
توجهت بعد ذلك نحو بوابات المغادرة، وعبرت الجوازات وهي تشير بإشارتها المنكسرة كأنها تقول لكل الشاهدين: “ستشهدون أمام الله يوم القيامة على هذا الخائن النذل”. وقفت أراقبها حتى صعدت إلى الطائرة، ولم أستطع مغادرة المطار إلا بعد أن تأكدت تماماً من إقلاع طائرتها وعودتها بسلام. قضيت أياما طويلة غير مصدق أن هناك بشراً أو رجالاً قد يرتكبون مثل هذه الأفعال التي تتجرّد من أدنى معاني الإنسانية والرجولة.
العِبر والدروس المستفادة
أهمية الرؤية الشرعية: إن الرؤية الشرعية قبل الزواج ليست مجرد عادة اجتماعية، بل هي حق أصيل أقرّه الدين الإسلامي لتفادي مثل هذه الصدمات القاسية وبناء الزواج على وضوح وقبول حقيقي.
كرامة الفتاة فوق كل اعتبار: لا تبيعوا بناتكم طمعاً في مال أو مظاهر؛ فلتظل الفتاة عانسة وهي محتفظة بكامرة كرامتها وعزتها، خيرٌ ألف مرّة من أن تُهان كرامتها وتُداس مشاعرها عند رجل لا يخشى الله ولا يتقيه فيها.
قيم المروءة: أظهرت هذه الحادثة المؤلمة أن معدن الناس يظهر وقت الشدائد، وأن شهامة الغرباء قد تكون طوق النجاة الوحيد في ألكسح الظروف.








