
أنا اسمي مريم، أم مطلقة، ولدي ابنة واحدة تُدعى “تاليا”، تبلغ من العمر خمس سنوات. منذ أن انفصلت عن والدها، أصبحت هي كل شيء في حياتي، وأصبحت أنا سندها في هذه الدنيا. بعد فترة من التحديات، قررت أن أبدأ صفحة جديدة، فانتقلت للعيش في شقة صغيرة هادئة بأحد الأحياء السكنية الجديدة، لعلنا نجد فيها الراحة والاستقرار بعيداً عن أي ضغوط سابقة.
-
في حفل تخرج ابنتيمنذ 9 ساعات
-
اعز اصحابيمنذ 9 ساعات
-
السلة اللي غيّرت حياتيمنذ 10 ساعات
-
مقص بنتيمنذ 10 ساعات
كانت حياتنا تسير بوتيرة منتظمة ومريحة للغاية. تبدأ يومنا بنشاط مع خيوط الفجر الأولى، حيث نجهز أنفسنا، وأوصل تاليا إلى روضتها الجميلة، ثم أتوجه إلى عملي الإداري بإحدى الشركات. وما إن ينتهي دوامي، حتى أهرع بشوق للعودة إليها، فنقضي بقية اليوم معاً في حبور وسعادة؛ نعد الطعام، نلعب بالألعاب البسيطة، ونقسّم تفاصيلنا الصغيرة حتى يأتي موعد النوم فنغفو في دفء وأمان. شعرت حينها أن الدنيا تبتسم لنا أخيراً، وأن الاستقرار قد استوطن بيتنا الصغير، ولم أكن أعві أن الأيام تخبئ لنا مفاجآت لم تكن في الحسبان.
الساعات الأولى من التغير الغامض
استمرت الحياة بهذه الوتيرة الهادئة لمدة أسبوعين تقريباً، إلى أن بدأت تظهر علامات غريبة وغير مألوفة على سلوك ابنتي الصغيرة. تاليا التي كانت اعتادت الاستيقاظ بوجه بشوش وضحكات تملأ أرجاء الشقة، أصبحت تستيقظ مفزوعة، بعيون واسعة تملؤها الحيرة والخوف، وجسمها الغض يرتجف بضعف.
في البداية، حاولت أن أهون الأمر على نفسي وعليها، فقلت في سرّي إنه مجرد كابوس مزعج عابر، فكلنا نعرض للأحلام المفزعة من حين لآخر. كنت أضمها إلى صدري بحنان بالغ، وأقرأ على مسامعها بعض الآيات القرأنية القصيرة والأدعية النبوية حتى تهدأ أنفاسها وتستغرق في النوم مجدداً. وحين كنت أسألها بحنان: “هل تعبثت بكِ كابوس مزعج يا قلب ماما؟”، كانت تكتفي بالنظر إليّ بنظرة تائهة أكبر من سنها بكثير، وتقول بصوت خافت مرتعش: “لا شيء يا أمي.. لا شيء”.
ولكن، لأسف الشديد، لم يكن الأمر مجرد كابوس عابر، بل تحول إلى ظاهرة يومية متكررة. كل صباح يبدأ بنفس الارتجافة، ونفس نظرة الخوف الصامتة. كانت تذهب إلى الروضة فتحاول الاندماج مع أصدقائها واللعب، ولكني ألاحظ أن حماسها يقل تدريجياً كلما اقترب وقت العودة إلى المنزل. وفي المساء، ألمح في عينيها توجساً غريباً وخوفاً غير مبرر من النوم. كان قلبي يتمصر ألماً وحسرة وأنا أراها تذبل يوماً بعد يوم، وبدأت الشكوك والهواجس تنهش في عقلي بلا رحمة: هل يعقل أن هناك من يضايقها في الروضة؟ هل تتعرض لضغط ما من قِبل المشرفات أو الزملاء؟
المصارحة الكبرى والسر المدفون
في أحد الأيام، شعرت أن طاقتي قد نفدت تماماً، ولم يعد بمقدوري الصبر أكثر وأنا أرى ابنتي الوحيدة تعاني بصمت. قررت أن هذا اليوم سيكون هو الفيصل. أعددت لها وجبتها المفضلة بحب، ولعبنا سوياً بعروستها المفضل لفترة طويلة حتى رصدت وجهها وقد بدأ يسترخي وتعود إليها ضحكتها البريئة.
أخذتها بحضني، وبدأت أمرر أصابعي برفق عبر شعرها الناعم، وتحدثت إليها بصوت دافئ ويفيض بالأمان:
“يا تاليا، يا روح قلب ماما من الداخل، ألسنا أصدقاء ونصارح بعضنا بكل شيء؟ أنا أمكِ وملاذكِ الآمن، لا يوجد أي شيء في هذا العالم يمكنه إخافتكِ طالما أنا بجانبكِ. هل يزعجكِ أحد في الروضة؟ هل يضايقكِ شخص ما؟ تحدثي يا حبيبتي ولا تقلقي أبداً”.
سكتت تاليا فجأة، واختفت الابتسامة من وجهها الصغير، والتفتت يميناً ويساراً كأنها تتأكد من خلو الغرفة من أي شخص آخر. ثم اقتربت مني حتى تقاطعت أنفاسنا، وهمست بصوت يكاد يكون غير مسمع، وكأنها تبوح بأعظم سر في الكون:
“سأقول لكِ شيئاً يا ماما، ولكن أرجوكِ لا تغضبي مني”.
أجبتها بابتسامة حانية مصطنعة لأمنحها الشجاعة: “لن أهتم ولن أغضب أبداً يا قلب ماما، أخبريني بما يشغل بالك”.
قالت وهي تشبك أصابعها الصغار ببعضهما بعصبية: “هناك شخص يأتي إلينا في الليل.. نعم، يدخل الغرفة ونحن نائمان، ويجلس بجانبي ويعطيني قطعة من الحلوى اللذيذة، ويترك لنا أشياء أخرى”.
تجمد الدم في عروقي، وشعرت وكأن دلواً من الماء المثلج قد سُكب على رأسائي. تحجرت في مكاني وعجزت عن النطق لفترة قصيرة، بينما كانت دقات قلبي تتسارع بجنون. شخص غريب؟ كيف يدخل إلى شقتنا ونحن نائمات والأبواب مغلقة بإحكام؟
حاولت السيطرة على رعشتي ومخاوفي لكي لا أزيد من فزعها، وابتسمت بتهدئة مصطنعة وقلت: “يا حبيبتي، هذا بالتأكيد حلم مزعج يشبه الأحلام التي تمر بها، كيف يمكن لأحد الدخول وعلينا إغلاق الأبواب؟”.
فأجابتني بكل ثقة وجدية جعلت شعيرات رأسي تقف من شدة الذهول:








