
امتلأ جناح الولادة في المستشفى بصراخ المواليد الجدد خمسة توائم ولدوا في اللحظة نفسها يملأون المكان حياة وضجيجا. كانت الأم الشابة منهكة إلى حد يكاد جسدها ينهار لكن قلبها ظل يخفق بالفرح وهي تضم صغارها الخمسة إلى صدرها خمس حيوات صغيرة جاءت إلى العالم دفعة واحدة كأن القدر أراد أن يعوضها بكل ما فقدته يوما.
غير أن ذلك الفرح الخجول انطفأ فجأة كما تطفئ الريح شمعة وسط ليل طويل.
-
المرتبة القديمةمنذ 11 ساعة
-
مرض حماتي ٢ حكايات زهرةمنذ 16 ساعة
-
اختي سارةمنذ 17 ساعة
-
انا واختيمنذ 18 ساعة
كان شريكها يقف إلى جوار الأسرة الصغيرة يتأمل الوجوه الملتفة بالبطانيات البيضاء. طال
صمته طال حتى ظنت أنه يبكي. لكن صوته حين خرج كان أبعد ما يكون عن البكاء كان غضبا ممزوجا بذهول يكاد يمزق الهواء
رفعت رأسها إليه ببطء التعب يضغط على جفنيها ودموع الولادة
لم تجف بعد. حاولت أن تستوعب الصدمة في ملامحه ثم قالت وهي تضم أطفالها الخمسة أكثر كأنها تحميهم من شيء لم تفهمه بعد
إنهم أولادك أولادنا. لا تنظر إليهم كغرباء.
لكن كلماتها لم تصل. ظل واقفا يحدق فيهم كما لو أنه يرى جرما لا بشرا. تراجع خطوة ثم أخرى كأن الأرض تهتز تحت قدميه. وفي لحظة تحول الغضب إلى صراخ فجائي
لا! لا يمكن!
اندفع نحو الباب كما يهرب طفل من كابوس دون أن يلتفت دون أن يسأل دون أن
يمنحها فرصة لشرح شيء. ترك خلفه امرأة على وشك الانهيار وخمسة توائم يملأون الغرفة صرخات ضعيفة لا ذنب لهم فيها.
تجمدت على السرير تنظر إلى الفراغ. كانت تعرف أنه يقدس اسمه وثروته ومكانته الاجتماعية أكثر مما يقدس أي حقيقة. لم يكن يبحث عن الحقيقة بل عن صورة خالية من العيوب يخاف على لمعانها من مجرد اختلاف في لون بشرة.
وفي تلك الليلة الطويلة وبينما كانت تهدهد أطفالها
جميعا بين ذراعيها المرتجفتين همست لهم بصوت خافت لكنه ثابت
من يرحل يرحل. أما أنتم فأنا أمكم وسأحميكم مهما حدث.
مرت السنوات قاسية كالصخر.
كان الناس يتهامسون في الشوارع كلما مروا
كيف يكونون من أم بيضاء
لا بد
أن هناك سرا
وكانت العيون تلاحقهم بفضول وسوء ظن لا يرحم.
أصحاب البيوت يغلقون الأبواب في وجهها قبل أن تكمل حديثها. بعضهم يختلق أعذارا وبعضهم يكتفي بالنظرة.
اضطرت للعمل في وظيفتين لتبقي أبناءها على قيد الكرامة تنظف المكاتب ليلا حتى تؤلمها ركبتاها وتخيط الملابس فجرا حتى تتورم أصابعها.
كانت تجمع النقود كما يجمع الماء من صخرة كل قرش تعرف وجهه تصرفه على الطعام والدواء والملبس وتخفي التعب خلف ابتسامة تمنحها لأطفالها الخمسة.
ورغم الفقر والوحدة والهمس الذي يلاحقهم ظل حبها لهم لا يتزعزع.
كبرت التوائم تحت جناح أم كانت وحدها جدارا من صبر
لا يتصدع وملاذا من حنان لا ينضب. ربتهم
على
الشرف كما تورث الجواهر
في عام 1995 رحل تركها وحيدة مع خمسة أطفال وبعد ثلاثين عاما ظهرت الحقيقة
الثمينة وعلى العمل كما لو أن الجهد صلاة وعلى الاحترام كما لو أنه اللغة الأولى للإنسان. لم يحملوا في قلوبهم يوما بذرة حقد ولم يتعلموا الرد على الأذى بالأذى كانوا دائما يعيدون الإساءة إلى التراب بدلا من ردها إلى صاحبها.
ومع مرور الأيام بدأ كل واحد منهم يشبهها بطريقة مختلفة فيهم من ورث صلابتها ومن أخذ عنها حكمتها ومن تعلم منها الصمت الذي يربي القوة أكثر من الكلام. كانوا صورتها الممتدة الامتداد الذي حلمت به.
ومضت السنوات طويلة وثقيلة تتساقط عاما بعد عام حتى اكتملت ثلاثة عقود كاملة. ثلاثون عاما عاش فيها الأبناء مطمئنين إلى عالم ظنوه
ثابتا لا يتزعزع.
وفي صباح بدا عاديا حدث ما لم يكن في الحسبان.
ظهرت الحقيقة.
الحقيقة التي غيرت كل شيء.
الحقيقة التي صدمت الجميع!








