
في ليلة من الليالي، قرر محمود أن يزور سارة في شقتها، بعد أن سمع أخباراً غريبة تربط اسمها بالمحامي الكبير يوسف شكري، وشك في أن يكون لها دور فيما يحدث. دخل عليها بوجه متجهم، وبدأ يتحدث بنبرة الأمر والټهديد كما اعتاد دائماً
إيه الحكاية دي يا سارة؟ سمعت إنكِ تتعاملين مع محامين كبار، وإنكِ سبب في المشاكل اللي جت لنا؟ ماذا تريدين أن تفعلي؟ هل تريدين أن تهدمي بيتنا وسمعتنا من أجل رجلك فقط؟.
نظرت إليه سارة، وهي تجلس بظهر مستقيم، وعكازها بجانبها، وقالت له بصوت هادئ لكنه حاد كالسيف
أنا لا أهدم شيئاً يا أبي.. أنا فقط أزيل الغطاء عن ما هو مدمور من الأساس. أنت تقول بيتنا وسمعتنا.. لكن أي سمعه وأي بيت يُبنى على أموال لم تُكسب بعرق الجبين، بل بظلم الناس، وغشهم، وډفن حقوقهم؟.
اتسعت عينا محمود من الصدمة، وقال بصوت مرتفع ماذا تقصدين؟ أي كلام هذا؟! أنا عملت بجد وتعب، وبنيت كل شيء بيدي!.
ردت عليه سارة ببرودة، وهي تخرج ملفاً من أمامها وتضعه على الطاولة
هذا الملف يثبت العكس.. فيه كل تفاصيل الصفقات المزورة، وغسيل الأموال، وكيف تم التلاعب بملايين التبرعات، وكيف تم إخفاء حاډث الجسر الذي أودى بحياة خمسة عمال، وكيف تم تزوير التقارير الرسمية. كل هذا موجود، وموثق، وسيصل إلى الجهات المختصة بالكامل، وسيعرف الجميع الحقيقة.
تراجع محمود خطوة إلى الوراء، وارتجفت يده، وبدأ يشعر بالخۏف الحقيقي لأول مرة في حياته، الخۏف من اڼهيار كل ما بناه، ومن السچن، ومن الخزي الذي
سيلحق به وبعائلته. حاول أن يلجأ إلى الترجي هذه المرة، وتغيرت نبرته تماماً
يا سارة.. أنتِ ابنتي.. دمي ولحمي.. إذا انهار كل شيء، فسوف ننهار جميعاً.. سوف نخسر كل شيء، وسوف نكون في الشارع..
هل هذا ما تريدينه؟ أن تري أهلك في هذا الحال؟.
نظرت إليه سارة بعمق، وقالت بصوت يحمل كل ما مرت به من ألم
أنا لم أطلب منكم أن تكونوا في الشارع، بل طلبت فقط حقاً بسيطاً جداً.. طلبت مائتين وخمسين ألف جنيه، وهو مبلغ لا يساوي جزءاً صغيراً جداً مما تملكون، لكي أحافظ على رجلي، لكي أستمر في عملي، لكي أعيش حياتي سليمة. لكنكم رفضتم، وفضلتم أن أشقى وأعيش عرجاء طوال عمري، مقابل أن تشتروا يختاً بسبعة ملايين جنيه لتتباهوا به أمام الناس! أنتم لم تروا فيّ ابنة تستحق الحياة، بل عبئاً زائداً لا فائدة منه، فلماذا أشفق عليكم الآن؟ أنا فقط أريد أن يعود كل حق إلى صاحبه، وأن يُعرف الحقيقة، وأن تتوقف هذه السلسلة من الظلم والكذب.
خرج محمود من الشقة وهو يكاد ينهار، يحمل في قلبه غضباً وخوفاً وندماً متأخراً جداً، وأدرك أن ابنته التي اعتبرها ضعيفة ومستسلمة، قد أصبحت أقوى منه، وأنها تحمل الحق في يدها، ولا يمكن إيقافها بسهولة.
الجزء الخامس
-
احنا مطلبناشمنذ 3 أيام
-
بعد 22 سنهمنذ 3 أيام
-
في مزرعة بعيدةمنذ أسبوع واحد
-
مكالمة ابني حكايات زهرةمنذ أسبوع واحد
تسارعت الأحداث بسرعة لم يتوقعها أحد، فبعد تقديم جميع الأدلة والمستندات الرسمية، بدأت الجهات المختصة تحقق في القضية بجدية، وبدأت تظهر الحقائق واحدة تلو الأخرى أمام الرأي العام. اڼهارت الصورة اللامعة لعائلة المنشاوي، وتبدلت التهاني والمديح إلى استغراب وڠضب، وبدأ الناس يتحدثون عن الحقيقة المظلمة التي خبأتها الثروة لسنوات طويلة.
تم تجميد جميع الحسابات البنكية، ومصادرة الممتلكات والقصور واليخت، وبدأت إجراءات استرداد الأموال التي تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة، وتعويض العائلات التي تضررت من أعمالهم، وإعادة المبالغ التي أخذت من التبرعات إلى الجمعيات الخيرية الشرعية لتوزيعها على مستحقيها.
جاء يوم الجلسة الأولى في المحكمة، واجتمع الجميع في قاعة المحكمة الكبرى، وسارة تقف بجانب محاميها، وقد بدأت رجلاها تستعيد قوتها، وبدت في كامل ثقتها وكرامتها، ترتدي زيها العسكري، وتحمل رأسها عالياً كالجبل. في الجانب الآخر، وقف محمود وزوجته وهند، وقد تغيرت ملامحهم تماماً، واختفت الهيبة والتباهي، وحل محلهما الحزن والخزي والانكسار، وبدوا وكأنهم أشخاص آخرون تماماً لا علاقة لهم بمن كانوا يتباهون بثروتهم وقوتهم.
عندما بدأت الجلسة، وقرأت الأدلة والوثائق، وشهد الشهود، وظهرت الحقائق واضحة لا لبس فيها، لم يعد أمام محمود إلا الاعتراف بكل شيء، والتراجع عن إنكاره، وتقديم اعتذار رسمي، وطلب الرحمة، لكن الحقوق لا تسقط بالاعتذار، والقانون له حساباته العادلة.








